قوى الصيف الدوري الخارقة

تم التحديث: أبريل 23

في المدونة السابقة، عرضت ما يدور في جعبتي خلال ربيعي الدوري (مرحلة ما قبل الإباضة). كان وقتاً لزرع البذور و بداية رسم خارطة المشاريع الجديدة. كان وقتاً خفيفاً جداً، لا يحمل ذات الوزن و لا حرارة هذا الصيف الذي أعيشه. عالمياً، يتوه نسبة كبيرة من البشر في متاهة الإنجاز. السعي للرزق. المعاناة في العمل. العناية بالعائلة/الأطفال/الآباء/الزوج/الغير، و وضع أنفسهم في آخر اللائحة. إن هذا النظام من العمل و الفعل المستمرين هو ما يباركه المجتمع بجلب حس تقدير الذات و قيمتها، إذ يعيب أي شكل من أشكال الراحة و الكينونة.. "أكل و مرعى و قلة صنعة".


مباركة المجتمعات العالمية لنمط الحياة السريع أثار إعجاب ملايين النساء بمرحلة الإباضة، و التي يملكن فيها طاقة و نشاطاً لا مثيل لهما! فنستطيع هنا إنجاز الكثير: الحضور بوعي للآخرين و خدمتهم، العمل لساعات متواصلة، جسدنا يستعد لخلق حياة جديدة في أرحامنا.. نشعر بأننا نساء خارقات.. يحصل ذاك لحين نعامل جميع مراحل الدورة الأخرى كمرحلة الإباضة و تحترق شمعتنا بشكل سريع إذ أن ذاك الفتيل ظل مشتعلاً طوال الليل دون كلل. لكل مرحلة خواصها و مميزاتنا، و لنصل لهذا الاتزان الداخلي في ذواتنا، علينا النظر للكون بأسره و الأرض التي تأخذ اليوم قسطاً من الراحة قبل إعادة نشوتها من جديد. لنحصل على هذه القفزة الطاقية في صيفنا الدوري، لابد أن نشحن طاقاتنا و نملأ أكوابنا في المراحل الأخرى.


قد مر من الوقت ٤١ يوماً و أنا أمارس التباعد الاجتماعي في منزل عائلتي. ماذا عنكم؟ قد يغمركم شعور بالاشتياق لعدد من الأهل و الأصدقاء تارة، و شعور بانعدام المساحة الشخصية بالعيش مع العائلة بشكل مستمر تارةً أخرى. قد يكون هذا الوقت من الزمان أكثر الأوقات انعزالاً عن الناس و أكثرها اختلاطاً بهم في آن واحد. ربما لاحظتم أن التعايش مع هذا "العادي الجديد" يبدو أسهل من شرب الماء للبعض، فتراه مقبلاً على الحياة، يمارس الرياضة، يكتشف هوايات جديدة، و ينجز أعماله عن بعد، في حين أنك تصارع الزمن للنهوض من سريرك. لا بأس بتفهم أن لكل منا تجاربه الخاصة، و نظرته لهذا "العادي الجديد" قادمة من منطلق تلك التجارب و الانعكاسات. إن كنتم من الفراشات الاجتماعية و تزدهرون في أوساط اجتماعية كبيرة، فأنا أراكم اليوم، أحاول استشعار ما تشعرون به، و أريد سماع تجاربكم. أياً كان الشعور الذي أتيتم به هنا، فاعلموا أنه حقيقي و مقبول. و سيمر هذا الوقت عما قريب..


مرحلة الإباضة (الصيف الدوري)

أكتب هذه المدونة و أنا أعيش صيفي الدوري، و الذي عادةً ما أشعر بأني أقف فيه على أعلى قمة كونية، مالكة للكون برمته. مستشعرةً لأكاليل الزهور على رأسي. امرأةً تعلن للعالم بساكنيه: "لقد وصلت". أضع قدمي على خارطتي التي رسمتها في ربيعي الدوري، و أقفز. أخاطر. أجازف. أثق في الوجهة التي يرشدني فيها هذا الجسد الذي أسكنه. أثق بالإرشاد الذي لطالما أخرجني من كهفي الدوري حيث الأنا، لاكتشاف ألا مستحيل هنا غير ما أؤمن باستحالته. أسمح لنفسي بالهمس بـ: "نعم"، بقبول الفرص، التحديات، العلاقات، و المشاعر الجديدة التي نعيشها في وعينا الجمعي الحالي، برقصة متناغمة أساسها ـــــــالسمــاح. أقطف ثمار المشاريع التي زرعت بذورها في ربيعي الدوري و أعلن عن وجودها بكل ما أوتيت من حب. إن هذا الوقت ليس الوقت الذي أود فيه الاختباء و الاندماج خلف باقي أفراد المجتمع، بل هو وقت لإظهار زينب الحقيقة، كما هي: بضحكتها العفوية، بحبها لذاتها، باعتزازها بشعرها الأشبه بموج الخليج العربي الحر المديد، بتعاطفها مع الآخرين، بخدمتهم، بحبهم، بكونها هي.


إن الدورة الإباضية في مضمونها هي تحول مستمر في نظرتنا للعالم من كون تركيزنا على "الأنا" للشعور بذواتنا و العالم من حولنا كواحد، و بالتالي تركيزنا على "نحن"

هذه المرحلة مثالية لسؤال أنفسنا كيف نود قضاء هذا الوقت؟ كيف لنا أن نحضر بوعي عاطفي و روحي مع الأناس من حولنا؟ أنه وقت مثالي لملء رصيدنا الاجتماعي بعدة صور: بتخصيص وقت للعب و قراءة القصص مع أطفالنا أو إخوتنا، بعقد مكالمات مرئية بين الأصدقاء أو أفراد العائلة، بإعطاء فرصة للساكنين معنا بالتعبير عن مشاعرهم في مساحة آمنة، بطبخ وجبة غداء لجيراننا كبيري السن و تركها عند بابهم، أو استلام مهمة شراء حاجيات البيت الأسبوعية. بإمكاننا دعم أصحاب المشاريع المحلية بشراء منتجاتهم، أو التبرع للجمعيات الخيرية المعنية بالوضع الحالي لإعانة الأسر المتعففة. فلنأخذ من وقتنا لحظات لإرسال رسائل تظهر دعمنا لنادي الرياضة أو اليوغا المحلي، و مقاهي الحي القريبة. و إن كنا ممن نقدم خدمات على أرض الواقع أو إلكترونياً، ما الذي يمكننا فعله لخدمة مجتمعاتنا و الحضور لهم؟ منتج؟ مدونة؟ كورس؟ صيفنا الدوري هو الوقت المثالي لذلك!


صحيح إن هرمون الأستروجين -المتسيد في هذه المرحلة- يهدينا طاقة تكفي للعناية بقبيلة بأكملها، إلا أنها مرحلة ليست حصريةً على حضورنا للآخرين، بل حضورنا لذواتنا على حد سواء، و عدم الغرق في بئر الرغبة بالإنجاز. هنا تشرق أنوار الاحتفاء بالذات و الاحتفال بالإنجازات الصغيرة، فحتى النساء الخارقات يملكن حدوداً في أفضل أوقاتهم. و هذه ليست أفضل الأوقات يا أصدقاء، فنحن لا نملك مصادر لا محدودة الآن، و علينا العطاء لذواتنا و التعاطف معها الآن أكثر من أي وقت مضى.



إن هذه المرحلة مرحلة اختيال بما نملك و نصنع بأيدينا، هي مدعاة للمداعبة و الغزل، و استكشاف جنسانيتنا كما لم يسبق لنا من قبل. إن مضمون هذه المرحلة متشكل على صورة متعة، و قد يلاحظ البعض انخفاضاً في رغباته الجنسية حالياً بفعل الضغط و التوتر المعاش، فلا داعي لدفع أنفسنا للوصول للنشوة قسراً، و كل ما علينا فعله هو أخذ لحظة للسؤال عن أحوالنا، كيف تشعر أجسادنا الآن؟ فبناء تلك الرغبة المنتهية بالنشوة دون دفع الجسد لها قسراً لهو من أكثر الممارسات تشافياً.

مع تقنين حركتنا و موقعنا الجغرافي، قد نجد متعنا في التفاصيل الصغيرة التي كانت تغيب عن أذهاننا: تحضير طبخة نباتية مع شركائنا، الخروج للحديقة و التنفس بوعي لعدة دقائق، مشاهدة شروق الشمس، التمايل على أرجوحة. فلنعطِ أنفسنا الإذن بالشعور بهذه المتع حين تأتِ. صديقنا الأستروجين يقوم بتحفيز بناء العضلات في هذه المرحلة، فحري بنا تحريك أجسادنا و دعمها برياضات ثقيلة بانية للعضلات. ثقوا بي، فلأجسادنا قوة تحمل هائلة في هذه المرحلة، و ستفاجئنا بما يمكنها (قمت بعمل تمارين رياضية قوية مع أخت زوجي خلال هذه المرحلة عبر مكاملة مرئية، و كم أنا ممتنة للتكنولوجيا التي سهلت جمعنا بهذه الصورة)

علامً ممتنون الآن؟ ضعوا لائحة بالأمور التي تشعل فيكم شمعة الامتنان، و اعلموا أن الاتزان الحاصل في مراحل الدورة سيهدينا القوة الروحانية في الحيض (شتاؤنا الدوري)، و المتعة هنا في صيفنا، و لكلاهما أهميته. قد تشكل هذه المرحلة تحدياً للكثير بسبب الحدود الموضوعة في هذا الوقت خصوصاً ممن كانوا يجدون متعهم في الإنجاز و العمل، أو اللقاءات الاجتماعية الكبيرة. فلنتذكر أن الشعور بالمتعة في هذه المرحلة لا يقتضي الاحتفال في نادٍ صاخب أو تقديم مشروع عظيم، بل قد يحمل شكل محادثة هادئة مع صديقك، أو طبخ مائدة صحية مع أمك. لكلِ منا طريقته.. فجدي طريقتك.



المصادر:

كتاب Wild Power

مدونة Periods & pandemics: Menstrual cycle awareness for this moment in time


* شاركوا هذه المدونة مع من تظنون يود قراءتها، و انتظروا المدونات القادمة لكيفية التعامل مع هذا الزمن بعدسة مراحلنا الدورية الأخرى (مرحلة الإباضة، مرحلة ما بعد الإباضة، و مرحلة الحيض)

* ابقوا على اتصال معنا في انستقرام


جميع الحقوق محفوظة : نسوة ٢٠٢٠